لما تقرر قراءة كتاب "مأساة مدام فهمي" للكاتب صلاح عيسى هـ تتصور فى البداية أنه تصوير لسيرة بطلته وصاحبة اسمه "مرجريت ألبير" اللى بقى اسمها بعد إسلامها وزواجها "مرجريت فهمى"، لكن لما تتعمق شوية فى الكتاب هـ تلاقى نفسك بـ تقرأ –قبل دخول مرجريت فى الأحداث أصلاً- عن حياة المصريين فى فترة ثورة 1919 وما بعدها، مع تحليل لسلوكياتهم الاجتماعية وتحليل لإقبالهم على أعمال فنية معينة دون أخرى، وأحيانًا اكتفاء بعرض سلوك معين دون التعليق عليه زى مثلاً الشارع اللى بـ تجتمع فيه الكباريهات وبيوت الدعارة والخمارات وهو شارع "عماد الدين" وهو حسب وصف صلاح عيسى (لا تقام فيه شعيرة واحدة من شعائر الدين).

ويتطرق صلاح عيسى فجأة إلى اليوم اللى ارتبكت فيه حياة المصريين بسبب 3 رصاصات أطلقتها السيدة "مرجريت فهمى" على زوجها "على بك فهمى" فى لندن فـ قتلته، وهنا دخلت مرجريت فهمى الأحداث بطريقة "الفلاش باك" لأن صلاح عيسى قطع السرد فى المنطقة دى ورجع لحياة مرجريت من أولها وتجاهل حكاية القتل دى شوية، وعمل وصف دقيق لشخصية مرجريت يعنى فين اتولدت، وإزاى اتربت، وإزاى أصبحت أشهر مومس فى باريس.

خلال المرحلة دى من الكتاب كان بـ يتنقل صلاح عيسى بين الحياة الفرنسية الغارقة فى الترف وحياة المصريين الغارقة فى الاحتلال من ناحية عامة الشعب، والغارقة فى الترف برضه من ناحية أولاد الذوات، وكمان بـ يوصف العلاقة بين المجتمعين يعنى مثلاً سلوك الشركات الأوربية فى مصر وأسباب اهتمامها بالنجاح ومضاعفة ثرواتها ومدى نفوذها وسيطرتها على الإدارات الحكومية، وكانت مقارنة تبدو غير متعمدة لكنها بـ تصور دوافع نفسية واجتماعية ساهمت فى تشكيل الهوية والخلفية الثقافية لأطراف الجريمة اللى هـ تقع بعد 5 سنوات، يعنى الجريمة حصلت سنة 1923 والكتاب بدأ يحكى من 1919.

خلال الحكى بـ يهتم صلاح عيسى برسم تفاصيل كل شخصية بـ تنضم للكادر، بـ يشرح تاريخ الشخصية وكيفية تربيتها، ده بخلاف معرفته الجيدة جدًا بالأصهار والأنساب بين العائلات، يعنى مثلاً كان ممكن يحكى القصة من غير ما يقول أن القتيل المتسلط "على بك فهمى" كان ابن خالة "هدى هانم شعراوى" المناضلة السياسية المعروفة، والأمثلة على ده كثيرة جدًا داخل الكتاب.

فى المرحلة المتوسطة من الكتاب بـ يركز الكاتب على قصة الزوجين المتسلطين مرجريت وعلى فهمى: كيفية التعارف، المطاردات الغرامية اللى قام بها علشان يكسب رضاء مرجريت، عدم الاكتفاء بكتابة عقد عشق رسمى (زى ما كان متبع فى الوقت ده) وعرضه عليها الزواج ثم تفنن كل واحد منهم فى السيطرة والانتصار واستفزاز الآخر وافتعال المشكلات معه مع التمسك بالزواج وعدم طلب الطلاق أبدًا، وطبعًا عرض مفصل لسلوك على فهمى مع مرجريت بعد الزواج (من خلال مذكراتها ومذكرات أقارب على فهمى، وثائق التحقيق، وكلام الشهود) واختلاف المعاملة بعد الزواج اللى لخصها فى جملة دارت فى ذهن مرجريت: "مكانة الزوجة فى الشرق كما فى الغرب.. أدنى مرتبة من العشيقة".

الغريب أن الكتاب بـ يوصل لجريمة القتل فى منتصفها بالظبط، يعنى نصف كامل من الكتاب بـ يتكلم عن الأثر اللى خلفته الجريمة على المجتمعين المصرى والفرنسى، والكتابات اللى علقت على الحدث والأسباب اللى تخيلها الصحفيين وكتبوا عنها حتى قبل انتهاء التحقيق مع مرجريت، وطبعًا لم يغفل صلاح عيسى مرحلة التحقيق ووصف المحامى القاضى وطريقة الدفاع وحتى الأسئلة اللى وجهها للشهود.

صلاح عيسى أحاط السرد من بداية الكتاب بأسلوب روائي يُحسد عليه، استخدم الفلاش باك وقطع الأحداث فى مناطق شيقة مع الانتقال برشاقة لمنطقة أخرى أكثر تشويقًا.. والشيء اللى جعلنا نضحك بشدة أنه أنهى الكتاب بكلمة "انتهت" فـ ضحكنا لأننا قد نكون محقين فى استخدامه للأسلوب الروائى ومعاملة الكتاب على أنه رواية، ولأنه يمكن يقصد أن "مأساة مدام فهمى" -اللى هى عنوان الكتاب- "انتهت".

على أى حال إحنا لا نفضل نقول التحقيقات وصلت لحد فين مع مرجريت فهمى وإيه الحكم "الصادم" اللى أخذته لكن هـ نختم بجملتها اللى قالتها بعد وقوع الجريمة عن علاقتها بعلى فهمى: "لم تشعر بالسعادة إلا حين كان يحبها"، وطبعًا ده بـ يثبت أننا كنا على حق لما قلنا "ومن الحب ما قتل".. واسألوا مرجريت فهمى..

"انتهى".