حكايات الريف هـ تفضل طول عمرها ساحرة وآسرة بالنسبة لقراء كثير، ده لأنها حياة بكر وصافية وفيها كل حاجة على طبيعتها من ناحية، ومن ناحية ثانية لأنها مافيهاش الضوضاء والإيقاع السريع اللى بـ يشوشر على تفكير الناس فى المدينة.

الروائى الكبير "خيرى شلبى" من أحسن الناس اللى صورت حياة الريف بشكلها البدائى ومراحل تطورها. يعنى مثلاً لو طبقنا ده على روايته الشهيرة «الوتد» هـ نلاقى أنه بـ يعمل "بورتريهات" مفصلة لكل شخصية من شخصيات الرواية ومدى تأثرها بالحياة الريفية والبيئة، وبالتالى على مدار الرواية بـ يعرض تطورها، زى مثلاً الابن الحالم الرومانسى اللى كان بـ يربى الغنم لكن كان بـ يشترى أغنام خاصة به ويربيها ويبيعها علشان يشترى خيوط يصنع بها طواقى يبيعها فى الموالد وكمان تزوج بنت البندر "بنت الباشتومرجى" وأحب تربيتها المتمدنة مع احتفاظها بأخلاقها. وممكن طبعًا نطبق ده على كل شخصيات الرواية فيما عدا الشخصيتين المحوريتين: الحاجة فاطمة تعلبة وابنها الأكبر الحاج درويش، لأنهم بـ يمثلوا جذع الشجرة وأصل العيلة بمعنى أن شباب العائلة بـ يتمنوا الخروج من روتينية والتزام حياة الريف ولكن كبار العيلة لا يمكن يتملصوا من حياتهم اللى تربوا عليها وحققوا شخصياتهم من خلالها.
خيرى شلبى برع فى استخدام الألفاظ الدقيقة الدارجة عند المجتمعات الريفية، حتى لو إحنا اعتقدنا أن بعضها ألفاظ بذيئة أو خارجة على الآداب فهي بـ تستخدم فى السب فى الريف للسبب ده بالظبط: لأنها بذيئة وخارجة على الآداب. لأ وكمان بـ تستخدم للإهانة والمعايرة بحاجات ما تعتبرش من الأفعال الفاضحة فى مجتمعاتنا المدنية زي أن الزوجة تنام جنب زوجها لحد طلوع الشمس. ولكن الحاجة تعلبة لها رأى ثاني لما "تزعق" جنب غرف نوم أولادها: "هل خلفت رجلاً لينام فى حضن امرأة؟"، وطبعًا ده لأنها شايفة أن طالما آذان الفجر آذن يبقى الست لازم تقوم تخدم فى البيت والراجل ما ينفعش يقعد جنبها.

خيرى شلبى بدأ الرواية بجملة "كثيرا ما تمنى أبناء الدار موت الحاجة تعلبة" ثم بدأ يسرد الأسباب اللى هى نقاط قوة شخصية الحاجة تعلبة على أولادها وزوجاتهم وكثرة الخناق بسبب أعمال البيت وتحكمها فى اختيار الزوجات وطريقة معاملة كل واحدة منهم، ولكن نشوف خلال الأحداث أن غضب الحاجة تعلبة يقابله حب من كل اللي فى الدار وأنهم بـ يحبوها بشدة ولو غضبت على حد فيهم وخاصمته مثلاً بـ يفضل منتظر جنب سريرها يراضيها ويعتذر لها لحد ما ترضى عنه.

المفاجأة اللى بـ تقوم عليها نهاية الوتد هى مرض الحاجة تعلبة مرض شديد وتنبؤ كل اللي فى الدار وحتى الأطباء بموتها. وقيام الحاج درويش بـ تجديد مقبرة العائلة وشراء الكفن وكل مستلزمات الدفن وعموم حالة الحزن والانكسار على كل أهل الدار وبعدين فجأة أثناء انتظار خروج السر الإلهى للحاجة تعلبة يموت الحاج درويش وهو جالس فى الدار حزين على أمه.
رواية الوتد مش هى الرواية الوحيدة اللى ضمها خيرى شلبى للكتاب لأن معاها روايات أخرى قصيرة هى "المنخل الحرير" و"العتقى" و"أيام الخزنة" والشىء اللى جمع بينهم وبين الوتد هو أنهم بـ تدور أحداثهم فى الريف وكمان الشىء الأهم من وجهة نظرنا هو أن الراوى طفل، يعنى شايف الأحداث من زاوية بعيدة عن تفكير الكبار وكمان بـ يفسر الأحداث والتصرفات ببراءته كطفل ونعتقد أن اختيار شلبى لبراءة الطفل كراوى يتناسب مع اختياره للريف كبيئة بكر خصبة تحتفظ بكثير من براءتها هى كمان.