مش كثير بـ نقابل كاتب "مُسيطر".. مُسيطر بمعنى أنه بـ يأسر عقلك وإحساسك عن طيب خاطر منك وبـ يتحكم فيهم تمامًا لحد ما يخلص الكتاب ويتفضل يرجعهم لك.. أميرة مكاوى من نوع الكُتاب المسيطرين دول.
هى بنت متأملة وعميقة بـ تنظر لمفردات الأشياء بلفسفة خاصة، هى زى كثير من الناس بـ تحب شرب القهوة وعندها مقهى مفضل بـ تقضى فيه معظم أوقاتها، لكنها مش زى كثير من الناس فى صبرها وطول ومداومة مشاهدتها للآخرين والمحيطين، أميرة بـ تتابع عن بُعد/ قرب قصص كل الناس اللى بـ يتصادف وجودهم في المقهى مع وجودها فيه.
فى بداية الكتاب بـ تؤكد أميرة أنه مش رواية ولا مجموعة قصص، هو كتابات وتسجيلات عن رؤيتها للمقهى اللى بـ تشرب فيه قهوتها وبـ تمارس هوايتها المفضلة فى تأمل الناس بدون ما ينتبهوا لعيونها المتفحصة، ومن أول صفحات الكتاب هـ يتولد عندك إحساس أكيد بأن أميرة مكاوى بـ تكتب من زمان جدًا، ومش معنى أن ده أول حاجة تُنشر لها أنه بالضرورة يكون أول ما تكتب، وفى أول صفحات الكتاب بـ تعترف أميرة أن الكتاب هو "ما أفلت من عدم رغبتها فى النشر" يعنى عندها كتابات أخرى لم تختر لها النشر بعد.
أميرة هـ تشبع إحساسك بالفضول والتلصص على الجلوس اللى بـ تراقبهم هي عن بُعد وهـ تحلل لك سلوكهم وردود أفعالهم بناء على مرجعياتهم الاجتماعية وبنائهم الفكرى، هـ تقول لنا وهى هـ تعرف مرجعياتهم منين؟ هـ نقول لك من ملابسهم وبعض ألفاظهم لما يعلى صوتهم فى الكلام ولغة أجسادهم وإشاراتهم أثناء الحديث، وطبعًا كان هـ يبقى الكتاب ممل لو كان مجرد حكى عن المشاهد اللى بـ تمر عليها عيون أميرة، لكن هى طلَّعت نفسها وطلعتك من فخ الملل وهـ تتكلم معاك وتشرح لك وجهات نظرها فى تصرفات ضيوف المقهى وتنبؤاتها للى هـ يحصل، وهـ تقول لك بأمانة إمتى صدقت ظنونها وإمتى خابت.
هـ تلاقى عندها قصص الحب من أول خيوطها، من قبل التعارف، وهـ تلاقى قصص بـ تُولد وقصص بـ تنتهى، وفى وسط كل ده هـ تكلمك أميرة عن فلسفتها ورؤيتها الشخصية اللى هـ تخليك متأكد أن الكاتبة دى متأملة فى مُجمل حياتها، مش بس لما بـ تقعد فى المقهى تشرب القهوة.
الكتاب إيقاعه هادئ جدًا ولغته رشيقة وفى الغالب هـ تحب أنك تقرأه ثانى، وهـ توصل بك أميرة فى نهايته للتصالح مع كل القصص اللى عشتها معاها فى المقهى وتقبل كل تصرفات رواده اللى تناقشتوا فيها خلال الكتاب.. هـ تلاقى نفسك كمان عاوز تبعث لأميرة وتقول لها: "لو سمحتى غيرى المقهى بقى يا أميرة وروحى مكان جديد، واكتبى كتاب جديد".