هم صحيح الإنجليز خرجوا من مصر بجد بعد الجلاء؟ طيب هو دخولهم لمصر من البداية سنة 1882 كان زي ما درسناه في الثانوية العامة؟ ووجودهم كان بالشكل اللي كنا فاهمينه أو بـ نشوفه في التليفزيون من خلال المسلسلات والأفلام؟ نعتقد بعد قراءة كتاب "في طريق الحرية" للكاتب علي رفاعة الأنصاري أن الموضوع مش زي ما كنا فاكرينه.
الكتاب الصغير اللي صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بثمن زهيد كُتب سنة 1946، يعني قبل الجلاء، لكنه بـ يوضح حقائق مهمة جدًا جدًا، للي ما قدرش يفهم يعني إيه احتلال بجد، مش مجرد جنود سكرانين بـ يتطوحوا في شوارع المحروسة، ولا مجرد ناس مش فاهمة عربي المصريين بـ يضحكوا عليهم زي ما بـ يطلع في الأفلام والمسلسلات.
للأسف الشديد، المحتل كان ذكي جدًا، وذكاءهم في استنزاف خيراتنا وبلدنا واضح جدًا من خلال الكتاب اللي بـ يناقش مشاكل مصر السياسية بعد الاحتلال البريطاني، والحياة كانت عاملة إزاي قبل الاحتلال، بـ يوضح أن أهم أبواب مصر هو بابها الشرقي "قناة السويس"، وأن الطبيعة في مصر سمحت لسكانها يستقلوا بتفكيرهم وتكوين أنظمتهم وبناء حضارتهم وفي نفس الوقت ما حرمتهمش من وسائل الاتصال مع القارة الأوربية من خلال البحر.
الكتاب بـ يناقش موضوعات مهمة جدًا زي الفترة من 1798 لحد 1882، وكيان مصر السياسي كان عامل إزاي، وفترة حكم محمد علي وخلفاؤه إزاي أثرت على مصر، جولة سريعة بـ تبين الكوارث اللي حلت على مصر من بعد فشل الثورة العرابية، وإزاي الاحتلال من سنة 1882 كان أحد أهم أسبابه اللي المؤلف بـ يسميه " غفوة قومية" وأن الموضوع استغرق تقريبًا عشر سنين علشان القومية المصرية تقوم، والناس تبدأ تكافح ضد الاحتلال، وقتها بدأ التمرد من المصريين على الاحتلال، وبدأت حوادث عديدة عقابًا لهم منها حادث دنشواي سنة 1906، واضطهاد العناصر الوطنية.
أهم ما في الكتاب من وجهة نظرنا أنه صغير جدًا لكنه بـ يتناول موضوعات ثرية أوي بشكل مبسط، والأهم أنه بـ يوضح حالات اللبس والتوهان، اللي بـ يعيشها أي شعب ما دامت السياسة الرسمية في بلاده متخبطة ومش واضحة، وده اللي حصل في مصر في ظل الاحتلال اللي مرة اتبع سياسية الشدة واللين، ومرة كان متردد، ومرة كان مراوغ، ومرة كان بـ يشغل المصريين في قضايا جانبية زي المفاوضات وحماية الامتيازات والأقليات والذي منه.
الكتاب انتهى مؤلفه من كتابته قبل الجلاء، لكن القضايا اللي بـ يناقشها وحالة التوهان اللي عاشها المصريين نقدر ببساطة نقول أن بعضها مستمر لحد دلوقت، أبرزها حالة التوهان، والامتيازات اللي بـ يحصل عليها الأجانب أكثر من أصحاب البلد نفسها، والتسهيلات اللي بـ يحصل عليها البريطانيين وغير والبريطانيين في الحصول على خيرات مصر بأقل الأسعار واللي بـ يصنعوها ويرجعوا يصدروها لنا ثاني بالدولار.
لنا مجموعة من الملاحظات السلبية على الكتاب بـ تدور كلها حول فكرة أن اللي كتب الكتاب، واللي قدمه، كانوا متأثرين ببعض الأفكار اللي بـ تتنافى مع الوطنية، زي مثلاً أن الأستاذ محمد عبد الله عنان اللي قدم الكتاب بـ يقول في المقدمة أن "الاحتلال الفرنسي لمصر" كان "فتح لمصر"، ومثلاً لما الكاتب الأساسي علي رفاعة الأنصاري بـ يقول: "إن الاحتلال الإنجليزي عمل إصلاحات اقتصادية في مصر، وده طبعًا مش حقيقي، لأن مافيش محتل بـ يصلح اقتصاد أو بـ يخاف على مصلحة الدولة المحتلة.