The Definitive Guide to Living in the Capital , Cairo , Egypt

فلسطين على الشاشة.. عاشت القضية وعاش “صحاب الأرض”
بواسطة
Cairo 360

محمد البدري

مافيش شك إن كل المجهودات المصرية اللي اتعملت لوقف العدوان على غزة اتقابلت بمحاولات إعلامية مستمرة لتشويهها والتقليل من قيمتها من جانب ولاد العم. لكن الحملة اللي اتعملت على مسلسل “صحاب الأرض”، ومحاولة تصويره كأنه عمل درامي فاشل أو كاذب، كانت من أشرس الحملات اللي شفناها، واللي واضح جدًا إنها اتصرف عليها وقت ومجهود وفلوس كتير.

وده يخلي السؤال الأهم هو ليه ولاد العم متضايقين بالشكل ده من مسلسل رمضاني من 15 حلقة؟ الجواب ببساطة موجود في القصة نفسها.

ولاد العم فاهمين كويس جدًا إن الطرف اللي يقدر يقدم قصته بشكل محكم، مترابط، وصادق، هو الطرف اللي عنده فرصة أكبر يحسم الصراع على المدى الطويل. لأن القصة، لما تتحكى صح، تقدر تعمل تأثير إعلامي ونفسي وإنساني ضخم جدًا، أكبر بكتير من أي خطاب مباشر أو دعاية تقليدية. وده بالضبط اللي عمله “صحاب الأرض”، وعلشان كده أثار كل الضجة دي.

 

 

“صحاب الأرض” مسلسل بيحكي عن مجموعة من الأشخاص الموجودين داخل قطاع غزة، خلال فترة الحرب الغاشمة اللي شنها اللي ما يتسموش على الفلسطينيين.

الشخصيات اللي بيتناولها العمل مختلفة جدًا عن بعض، في الخلفيات، والطباع، وطريقة التعامل مع الكارثة. بنشوف سلمى، اللي بتجسدها منة شلبي، وهي طبيبة مصرية متطوعة سافرت للقطاع علشان تعالج المصابين. وبنشوف ناصر، اللي بيقدمه إياد نصار، وهو فلسطيني بيحاول ينقذ اللي يقدر عليه من عيلته بعد تدمير بيته. وكمان سمير، اللي بيلعب دوره عصام السقا، السواق الشاب اللي بيحاول يوصل جهاز طبي حيوي للأطباء، وسط ظروف مستحيلة، ووسط ناس بتغامر بحياتها في كل لحظة علشان تقدّم أي دعم ممكن.

واحدة من أهم نقاط قوة “صحاب الأرض” إنه بيعرض الأحداث من غير تجميل، ومن غير ادعاء بطولة مفتعل. ودي نقطة مهمة جدًا، لأن أعمال كتير تناولت القضية الفلسطينية قبل كده كانت أحيانًا بتقع في فخ التبسيط، أو تقديم الشخصيات بشكل مثالي زيادة عن اللزوم، لدرجة تفقدها جزء من حقيقتها الإنسانية. لكن “صحاب الأرض” اختار طريق مختلف. اختار إنه يوري الناس كما هم: بشر حقيقيين، عندهم ضعفهم، وخوفهم، وتناقضاتهم، وفي نفس الوقت عندهم كرامتهم، وحقهم، وقدرتهم على الصمود.

المسلسل كمان ما حاولش يزوق الواقع الفلسطيني من الداخل، وما تجاهلش تعقيداته، لكنه في الوقت نفسه سلط الضوء بوضوح على العدوان المجرم اللي بيتعرض له المدنيون. والأهم إنه عمل ده كله باحترافية شديدة، من غير أفورة، ومن غير استدرار رخيص لدموع المشاهد، ومن غير المتاجرة بالألم. ودي ميزة نادرة جدًا.

ولما نشوف عمل بالمستوى ده من التكامل، لازم نقف عند الشخص اللي واقف ورا الكاميرا. والحقيقة إن بيتر ميمي قدم في “صحاب الأرض” واحد من أهم وأقوى أعماله. واضح جدًا من أول مشهد لآخر مشهد إن فيه مخرج مسيطر على أدواته، فاهم هو عايز يقول إيه، وعارف كويس جدًا يوصل إحساسه إزاي.

تميز بيتر ميمي هنا ماكانش بس في اختيار الكادرات أو إدارة المشاهد الكبيرة، لكن كمان في اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، وفي رفضه إنه يعتمد على حلول سهلة أو مؤثرات شكلية فارغة. بالعكس، المجهود كان واضح في كل تفصيلة تقريبًا، وده بان حتى في الكواليس، وفي شكل التنفيذ العام اللي حسسك إنك قدام عمل معمول بحب ووعي وتركيز حقيقي.

أما على مستوى التمثيل، فالمسلسل قدم مستوى مميز جدًا. في البداية كان ممكن يبقى فيه تخوف من اختلاف اللهجات المصرية والفلسطينية، وإن ده يأثر على سلاسة المشاهدة أو يخلق مسافة بين المتفرج وبعض الشخصيات، لكن اللي حصل كان العكس. اللهجات كانت قريبة ومفهومة، والأداء التمثيلي نفسه ساعد جدًا في تقريب الشخصيات من المشاهد، لدرجة إنك بسرعة بتندمج معاهم وتصدقهم.

منة شلبي وإياد نصار قدموا أداء ممتاز، وده طبعًا مش جديد عليهم. لكن اللي كان لافت جدًا في أداء إياد نصار إنه قدم الشخصية الفلسطينية بشكل متزن وإنساني، بعيد عن النمطية أو الخطابة. أما منة شلبي، فنجحت في إنها تنقل لنا ارتباك الدكتورة سلمى، وتشتتها بين حياتها الشخصية بما فيها من ضغوط عادية جدًا نعرفها كلنا، وبين ضغط شغلها اللي بيحطها كل يوم في مواجهة مباشرة مع الحياة والموت.

ولو حبينا نتكلم عن كل ممثل وممثلة قدّموا أداء يستحق الإشادة في “صحاب الأرض”، فإحنا فعلًا هنحتاج مقال كامل لوحده. لكن من الصعب ما نقفش عند روان الغابة في دور سارة، خاصة إن الشخصية والأداء كانوا من القوة لدرجة إنهم استفزوا المتحدثة باسم جيش الكيان نفسها، وخلوها تخرج وتنتقد المسلسل علنًا. ودي لوحدها كفاية تقول إن العمل وصل، وإن أثره تعدّى حدود الشاشة، وإن الصوت الصادق لما يطلع بجد بيوجع.

لكن لازم هنا نقول حاجة مهمة جدًا: “صحاب الأرض” مش لأصحاب القلوب الضعيفة. الناس اللي مشاعرها مرهفة، أو اللي بتتعلق بالشخصيات بسهولة، أو اللي مش قادرة تتحمل قدر كبير من الألم الإنساني على الشاشة، لازم تفكر مرتين قبل ما تتفرج على المسلسل. لأنك طول الوقت وإنت بتتفرج بتبقى عارف إن اللي قدامك مش خيال خالص، ولا مبالغة درامية. إنت عارف إن ده واقع، وإن الأحداث دي حصلت وتحصل، وإن الدم والخسة والفقد اللي على الشاشة أصلهم حقيقي جدًا. وعلشان كده، فالمسلسل مش مناسب لكل المشاهدين.

وفي النهاية، “صحاب الأرض” مش مجرد مسلسل عن معاناة أهل فلسطين، ولا مجرد عمل رمضاني بيحاول يركب موجة الأحداث. ده عمل درامي متكامل، بيصرخ في وش العالم كله، وبيفكره إن الناس اللي ماتت في الزمان ده والمكان ده مش أرقام في نشرات الأخبار، ولا مجرد عداد بيتحدث على شريط عاجل تحت الشاشة.

دول بشر من لحم ودم.

لهم حكايات، وأحلام، ووجوه، وأسماء.

ولهم حقوق، أبسطها جدًا، وأوضحها جدًا: إنهم يعيشوا حياة آدمية، زي باقي شعوب الأرض.

مقترح