كتب كثير جدًا طلعت عن صورة يناير، بعضها طلع أثناء الثورة نفسها، وبعضها طلع بعدها، وبعضها مازال بـ يطلع، حسينا أن كثير منها كُتب كأنه واجب، صاحبه عاوز يطلع كتاب موضوعه الثورة وخلاص، مش كثير كتبوا بإحساس عالي، وحب وقلب، يمكن كانت عاجبانا بعض الكتابات، لكن لما قرأنا كتاب "كراسة التحرير" عرفنا يعني إيه كتاب بجد عن الثورة، صاحبه كاتبه من غير حنجورية، ومش من منطلق أنه ثائر، ولا من منطلق أنه محلل سياسي.

"كراسة التحرير" كتاب صاحبه متواضع جدًا، هو مكاوي سعيد، كتب عن الناس اللي كانت جزء من الثورة، واختار ناس معينين مش كثير يعرفوهم ويمكن عمرنا ما سمعنا ولا كنا هـ نسمع عنهم إلا من خلال كتاب مكاوي سعيد.

الكتاب مش كلمات بس، لكنه فيه رسوم مميزة لعمرو الكفراوي، أما الكاتب فبـ يحكي ببساطة إزاي كتب الكتاب، في "كراسة" بحجم الكف، كان بـ يشيلها في جيبه طوال أيام الثورة، لذلك خلى اسم الكتاب "كراسة التحرير"، ونشره بعد 3 سنين من الثورة، ما استعجلش زي ناس كثير، لأنه شايف أن الثورة ما خلصتش، وأنها مستمرة.

من سمات مكاوي سعيد أنه مش بـ يكتب عن أحداث، هو مبدع جدًا في وصف الأماكن والأشخاص، وده سر تميز "كراسته"، ما سابش طفل شارع، ولا شخصية مجهولة، ولا حتى حيوان كان في الميدان من غير ما يلاحظه، صحيح هو ما كتبش عن الكل، لكنه اختار نماذج مميزة جدًا تعبر عن ناس التحرير، على حقيقتهم، بدون أقنعة أو ادعاء بطولات.

"صابرين" بنت رفيعة وجسمها قليل، عمرها 14 سنة، من الأطفال اللي عايشين في الشارع، أول واحدة تكلم عنها مكاوي سعيد في كتابه، كأنه بـ يعطيها دور البطولة، البنت اللي وسط ستات وبنات الميدان أحست لأول مرة أنها بني آدم، لما الناس كلها باتت في الشارع يوم واثنين وثلاثة، هدومهم توسخت وشكلهم تعب، بقوا شبهها، ما بقوش يقرفوا منها وحست أنها منهم، هي نفس البنت اللي بكيت لما مبارك مشي، مش من الفرح، لكن لأنها عارفة أن ما حدش عاد هـ يسأل عليها، وحياتها هـ ترجع من غير معنى مرة ثانية.

مش ناس كثير تكلمت عن وضعية أطفال الشوارع في الثورة، والخصوصية الشديدة اللي كانت لهم وسط الثوار، شخصيات ثانية كمان تكلم عنها مكاوي في كتابه وخلدها، وذكر معلومات يمكن لأول مرة تُقال زي أسامة خليل الهتيف اللي معظم هتافات الميدان كانت بتاعته، وبيير سيوفي، صاحب اليافطة الضخمة اللي كل وكالات الأنباء صورتها في ميدان التحرير والخاصة بمطالب الثورة الـ 7، واللي مش كثير يعرفوا أنها بتاعة الفنان ده، واللي فتح بيته لوكالات الأنباء والصحفيين ورفض يتقاضى أجر عن بث أخبار الميدان من عنده، رغم الفرصة الكبيرة أنه يكون ثروة من الموضوع ده.

الكتاب مميز جدًا، وممتع لأقصى درجة، مكاوي سعيد كتبه بقلبه مش بعقله.