من عبق الإسكندرية، من الجو البارد من الخارج لكن بـ يدفئ قلب الناس وبـ يحاول يصنع لهم معجزة اسمها كورنيش إسكندرية، من المكان اللى عدى عليه ألوان من الناس صعب حتى أنك تعدهم أو تعد بلادهم، من الجو الأسطورى ده أتى وكتب القاص المبدع محمد أبو عوف عن الشبورة والحياة والطريق والناس فى مجموعته الأولى "شبورة فى وسط الطريق".

الغلاف للفنان حاتم عرفة بـ يصور فكرة الطريق بشكل بسيط، الصورة أقرب للفوتوغرافيا اللى بـ تصور طريق غير واضح ملامحه وشجرة جرداء وطائرين نورس وشخص بظهره بـ يكمل اللوحة الحزينة اللى بـ تحاول تفسر الفلسفة الموجودة داخل المجموعة.

تقولوا لنا ليه فلسفة مع أنها مجموعة قصص، نقول لكم لأن أبو عوف متأثر بشكل كبير باللغة الجانحة للفلسفة، خاصة فى محاولته الدائمة عمل رؤية جديدة للمواقف والأشياء، وهو كمان متأثر بالتراث الإسلامى والمسيحى بشكل كبير وده بـ يظهر فى التراكيب وتطويع اللغة عنده، وفى تصديره للمجموعة بكلمة يسوع: "مملكتى ليست من هذا العالم".

التصدير ده فيه إيحاء كبير بمضمون المجموعة يمكن يكون قصد المؤلف فكرة الخروج من العالم العادى اللى عايشينه لعالم ثانى غير مرئى، أو غير معروف الكاتب هنا بـ يحاول يدخلنا لعالم ثانى هو بس اللى يعرفه وهو اللى يقدر يرسمه ويحدد ملامحه، عالم بـ يبدأ من الطريق الواضح من عنوان المجموعة، لكن الوصول ليه صعب؟ لأنك هـ تلاقى شبورة فى وسط الطريق، والشبورة لها دلالتين: الأولى تأثر أبو عوف بالمكان والصورة المسيطرة على الإسكندرية، ودلالة عدم وضوح الرؤية اللى بـ ترمى على صعوبة الطريق، فكأنه بـ يقول للقارئ أن فيه صعوبة فى التعرف على عالم القصص اللى بـ يكتبه.

الصعوبة هنا مش صعوبة الكلام أو السرد لكن صعوبة الوصول إلى المضمون، لأن المجموعة بـ تحاول تعمل محاورة بين العالم والقارئ وده بـ يظهر فى أول نص وهو "وقوف"، بسيط ومكرر بـ يقول: "وقف.. فى وسط الحجرة الدائرية.. يبحث عن ركن يؤويه" ومع أنه مكرر أو غير مدهش بلغة النقد إلا أنه مدخل مهم للمجموعة لأنه بـ يشتغل على منطقة الحيرة اللى واقع فيها المؤلف مش القارئ، واللى ممكن تكون حيرة من تفسير العالم وتحديد مكانك فيه.

والحيرة تيمة أساسية فى العالم العجيب اللى بـ يأخذك له الكاتب وبـ تظهر فى حيرة الوقت لما يكلمك عن عقرب الثوانى اللى بـ ينظر للأرضية بهلع وبـ يصنع علاقة بين شخص غير معروف جسده معلق فى الهواء وكأنه هو الوقت ذاته، دي حيرة الوقت اللى شغل أبو عوف فقرر أنه إنسان بـ ينزف من غير ما يحس بالنزيف.

والحيرة بـ تظهر فى المدينة اللى وجوه أصحابها أصبحت مطموسة غير واضحة، وبـ تظهر فى طابور العيش المزدحم من الفجر، وفى الظابط اللى يخيِّر الرجل الفقير بين الجزمة وصندوق تلميع الأحذية، وفى ختام المجموعة اللى بـ تحمل نصوص للشاعر "سالم الشهبانى" من ديوان "الملح والبحر"، وبيقول فيها أبو عوف: "حيرتنى هذه الدنيا بفلسفتها الغريبة، وحيرنى هذا البلد بجماله، وقبحه، وطهره، وفساد من فيه".

المجموعة صغيرة الحجم مكونة من 40 صفحة فيها قصص وهى: "وقوف"، "عقرب"، "باب"، "قبر"، "مدينة"، "قرقرة القهوة"، "ملامح"، "إعدام فنان"، "غداء"، "بقاء"، "جلطة"، "اختيار"، "رصيف"، "فكَّر"، "غلبان"، "شق طولى"، "زهرة"، "سفر"، "لحظة"، "هكذا"، و"ليلة".